محمد ابو زهره
1029
خاتم النبيين ( ص )
ويلاحظ أن بلاد الجنوب كان للنصرانية واليهودية مكان فيها ، وخصوصا النصرانية ، وفيهم مجوس ، فكان رفق الإسلام بهؤلاء وعقد المعاهدات بينهم على أن يكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما علي المسلمين ، مقربا لهم ، وكانوا أهل علم بالديانات ، ومنهم من أسلم بناء على ما عندهم من الكتب التي تبشر بمحمد صلي اللّه تعالي عليه وسلم ، فيكون إسلامهم شهادة بصدق الدعوة المحمدية ، فوق أنها تشتمل في ثناياها على ما يدل علي كمال صدقها إذ هي التوحيد ومكارم الأخلاق ، وحسن المعاملات وتوثيق العلاقات الإنسانية بين الناس أجمعين لا فرق بين عربي وأعجمي ، ولا قبيلة وقبيلة . الأمر الثالث : أن هذه الوفود جاءت تتري وفدا بعد آخر في السنة التاسعة والعاشرة أي بعد فتح مكة المكرمة ، وتخاذل الرومان عن لقاء الجيش الإسلامي وقد ذهب إليهم في دارهم أي عند الشام ، وقد تخلت عن نصرتهم القبائل العربية ، فلم يفعلوا ما فعلوه في مؤتة ، إذ كان منهم جيش كثيف يبلغ مائة ألف أو يزيدون . وبذلك أخذ النفوذ الروماني ينحسر عن العرب ، ويذهب ظله كما كان الأمر بالنسبة لفارس . وإن ذلك من شأنه أن ينظر إلى الدين الجديد علي أنه الغالب ، المزيل للوثنية ، والمحيي للعزة العربية . فهو الذي يجعل العربي يحس بعزته أمام بني الأصفر من الرومان ، وينفض عنه سيطرة كسري ومن وراءه وخصوصا أن الكتب التي أرسلها النبي صلي اللّه تعالي عليه وسلم كان يظلها النور المحمدي وقوة الحق أمام إرهاب الباطل ، فأثار في ذلك نخوة عربية أمام الطغاة في الشمال والجنوب فكان من آثار ذلك أن ألقوا بكل نفوذ عربى . وإن هذا الوفد الذي لقى النبي صلي اللّه تعالي عليه وسلم ، وكان من أهل الجنوب الذي قال للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم إنا لا نبرم أمرا خارجيا إلا بعد استئذان كسري ، فأشار إليه النبي صلي اللّه عليه وسلم بأنهم سيرثون ملك كسرى ، فأعطوا النبي صلي اللّه تعالي عليه وسلم ، عهدا بأن يتبعوه . ومن هذا يتبين رغبة العرب الذين امتد إليهم نفوذ الرومان والفرس في أن يخلعوا نيرهم ، ويردوا إليهم أمرهم ، وقد وجدوا في الدعوة المحمدية معينا لهم على أن يتحرروا من التبعية ، وهم الأحرار الذين فضلوا الشدة في عزة ، عن الأمن في ذل . وقد رأي ذلك المتاخمون لفارس في كلام النبي صلى اللّه تعالي عليه وسلم ، وفي لقائه للوفود في مكة المكرمة ، أولا عند عرضه نفسه علي القبائل قبيل الهجرة ، وفي المدينة المنورة . وثانيا عندما أخذ يلتقي بالوفود ، من حضر موت واليمن ونجران .